عبد الكريم الخطيب
889
التفسير القرآنى للقرآن
أما هذا ، فهو الذي يدور حوله الخلاف ، ويكثر فيه الجدل . . وقد تجنب الإسلام - منذ قام - إيقاظ هذه الفتنة ، فلم يطرق بابها من أية جهة ، ولم يشر إليها من قريب أو بعيد . . والحكمة في هذا ظاهرة . . إذ لا جدوى من أن يقيم الإسلام لوجود الشرّ علة أو عللا . . إنه موجود . . وكفى . . « وحسبك من شرّ سماعه » ! . . والحزم كل الحزم في توقّيه ، ودفعه ، والخلاص منه . . إنه لمن السفاهة الغليظة ، والخسران المبين ، أن يرى الإنسان حيوانا يريد أن ينقضّ عليه ويفترسه ، ثم لا يطلب النجاة لنفسه ، بل يستغرق في تأملات سخيفة ليجيب على هذا السؤال : ما هذا الحيوان المؤذى ؟ ولم كان ؟ لم يرد الإسلام أن يسوق أتباعه إلى هذه المواقف الخاسرة . . بل صرفهم عنها صرفا ، وخلّى بينهم وبين الحياة بخيرها وشرها ؛ بعد أن أراهم منازل الخير وثمراته ، وأطمعهم فيه ، ودعاهم إليه ، ثم أراهم مزالق الشرّ ، ومغباته ، وخوّفهم منه ، وتوعدهم على الاتصال به . . أليس ذلك هو النهج القاصد ، والطريق المستقيم في تقديم الأخلاق وتربية النفوس ؟ لقد كان ذلك هو طريق الإسلام ، وكان ذلك هو موقفه حيال هذه القضية . . لم يوقد نارها ، ولم يلق لها وقودا . . ولكن حين اتصل المسلمون بالأمم المجاورة ، وعرفوا شيئا من فلسفة اليونان والهند ، وشيئا من معتقدات الفرس ، تحركت في نفوسهم هذه الفتنة « الخالدة » . . لما ذا وجد الشر ؟ وقد فتحت الإجابة على هذا السؤال باب فتنة ، أخذ يتسع شيئا فشيئا ،